محمد الريشهري
3331
ميزان الحكمة
وعلما باستعمال علوم ومعارف لا يبقى معها موضوع الرذائل ، وبعبارة أخرى : إزالة الأوصاف الرذيلة بالرفع لا بالدفع . وذلك كما أن كل فعل يراد به غير الله سبحانه فالغاية المطلوبة منه إما عزة في المطلوب يطمع فيها ، أو قوة يخاف منها ويحذر عنها ، لكن الله سبحانه يقول : * ( إن العزة لله جميعا ) * ( 1 ) ، ويقول : * ( إن القوة لله جميعا ) * ( 2 ) ، والتحقق بهذا العلم الحق لا يبقي موضوعا لرياء ، ولا سمعة ، ولا خوف من غير الله ، ولا رجاء لغيره ، ولا ركون إلى غيره ، فهاتان القضيتان إذا صارتا معلومتين للإنسان تغسلان كل ذميمة - وصفا أو فعلا - عن الإنسان تحليان نفسه بحلية ما يقابلها من الصفات الكريمة الإلهية من التقوى بالله ، والتعزز بالله وغيرهما من مناعة وكبرياء واستغناء وهيبة إلهية ربانية . وأيضا قد تكرر في كلامه تعالى أن الملك لله ، وأن له ملك السماوات والأرض ، وأن له ما في السماوات والأرض ، وقد مر بيانه مرارا ، وحقيقة هذا الملك - كما هو ظاهر - لا تبقي لشئ من الموجودات استقلالا دونه ، واستغناء عنه بوجه من الوجوه ، فلا شئ إلا وهو سبحانه المالك لذاته ولكل ما لذاته ، وإيمان الإنسان بهذا الملك وتحققه به يوجب سقوط جميع الأشياء ذاتا ووصفا وفعلا عنده عن درجة الاستقلال ، فهذا الإنسان لا يمكنه أن يريد غير وجهه تعالى ، ولا أن يخضع لشئ ، أو يخاف أو يرجو شيئا ، أو يلتذ أو يبتهج بشئ ، أو يركن إلى شئ ، أو يتوكل على شئ ، أو يسلم لشئ ، أو يفوض إلى شئ ، غير وجهه تعالى . وبالجملة : لا يريد ولا يطلب شيئا إلا وجهه الحق الباقي بعد فناء كل شئ ، ولا يعرض إعراضا ولا يهرب إلا عن الباطل الذي هو غيره الذي لا يرى لوجوده وقعا ولا يعبأ به قبال الحق الذي هو وجود باريه جل شأنه . وكذلك قوله تعالى : * ( الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى ) * ( 3 ) ، وقوله : * ( ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شئ ) * ( 4 ) ، وقوله : * ( الذي أحسن كل شئ خلقه ) * ( 5 ) ، وقوله : * ( وعنت الوجوه للحي القيوم ) * ( 6 ) ، وقوله : * ( كل له قانتون ) * ( 7 ) ، وقوله : * ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ) * ( 8 ) ، وقوله : * ( أولم يكف بربك أنه على كل شئ شهيد ) * ( 9 ) وقوله : * ( ألا إنه بكل شئ محيط ) * ( 10 ) ، وقوله : * ( وأن إلى ربك المنتهى ) * ( 11 ) . ومن هذا الباب الآيات التي نحن فيها وهي قوله تعالى : * ( وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون . . . ) * إلى آخرها ، فإن هذه الآيات وأمثالها مشتملة على معارف خاصة إلهية ذات نتائج خاصة حقيقية
--> ( 1 ) يونس : 65 . ( 2 ) البقرة : 165 . ( 3 ) طه : 8 . ( 4 ) الأنعام : 102 . ( 5 ) السجدة : 7 . ( 6 ) طه : 111 . ( 7 ) البقرة : 116 . ( 8 ) الإسراء : 23 . ( 9 ) فصلت : 53 . ( 10 ) فصلت : 54 . ( 11 ) النجم : 42 .